إعادة هيكلة الحكومة · Amr Eldib 

إعادة هيكلة الحكومة

تعاني البيروقراطية المصرية – مثل كثير من نواحي الحياة في مصر – من حالة من التصلب بسبب ثلاثين عام من التردد في إتخاذ أي قرار ذو معني. إستخدم الأستاذ محمد حسنين هيكل تعبير “البحر الجاف” لوصف حال السياسة في مصر بعد سنوات مبارك. وشرح أن هذا الجفاف هو عن قصد حيث تم القضاء علي فرص أي موهبة أو كفاءة من الممكن أن تنافس رئيس الجمهورية أو تظهر قلة موهبته وكفاءته. والواقع أن هذا الأمر لا ينطبق فقط علي حال السياسة ولكن أيضا علي حال مجالات كثيرة بطبيعة أن نفس منظومة استبداد مبارك تم استنساخها في كل نواحي الحياة في مصر.

تعود بدايات البيروقراطية المصرية إلي عصر محمد علي مؤسس الدولة الحديثة إلا أن الشكل القائم الآن هو نتاج عهد جمال عبد الناصر عقب ثورة 23 يوليو وفي ظل نهضة إقتصادية قائمة علي نظام إشتراكي وتحكم كامل للدولة في موارد الإنتاج، تعيين العاملين، وتوزيع المنتجات. وأتي عهدي السادات ومبارك ليصنعا خليطا من النظام الإشتراكي والإنفتاح علي النظام الرأسمالي بما يمكن أن يسمي (كما وصفه محمد صبحي في مسرحية “تخاريف”) النظام “الرأسماكي”. فلا هو نظام إشتراكي ولا وهو نظام رأسمالي ولا حتي هو نظام مختلط يدرك أين تبدأ الرأسمالية وأين تنهي الإشتراكية. الإرتباك في التوجه الإقتصادي للدولة بالإضافة إلي حالة التجمد والتجفيف السياسي ألقت بتأثيرها علي الجهاز الإداري للدولة فضخمت من حجم مشاكله التي أصلا زادت مع تغير شكل العالم والمنطقة بسبب طفرة تكنولوجية رهيبة وتطور في نظم الإدارة، مع تغير الشكل الديموغرافي للشعب المصري بإرتفاع نسبة الشباب بشكل كبير.

أتت ثورة 25 يناير بأمل لحل هذه المشكلات، ورغم أن الثورة لم تصل إلي بر الأمان بعد إلا أن الوقت مناسب لمناقشة تفاصيل حل أي من هذه المشاكل. في عدد من التدوينات القادمة أتكلم عن بعض الأفكار لكيفية إعادة هيكلة الحكومة. السبب في إختيار هذا الموضوع هو أن الحكومة هي المسئولة عن حل أي مشكلة في مصر علي طريقة “الدولة هي ماما وبابا وأنور وجدي”. هذه المسئولية الكاملة تأتي من كون النظام نظام إستبدادي علي مدار فترة طويلة وهو ما يتطلب أن يكون مسيطر علي مقاليد الأمور في أغلب إن لم يكن كل المجالات. هذه السيطرة الكاملة في حد ذاتها مشكلة ولابد من التخلص من سيطرة الدولة علي بعض المجالات (مثل الإعلام والثقافة) والتخلص من سيطرة الدولة علي إدارة بعض المجالات حتي لو إحتفظت بتمويلها وتوجيهها (مثل التعليم العالي). هذه السيطرة المطلقة جزء من المشكلة إلا أن التركيز هنا علي الحكومة سواء كانت مسيطرة أم لا.

الهدف من التركيز علي الحكومة هو أنها أداة حل أي مشكلة في ظل سيطرتها الكاملة، ومحاولة حل أي مشكلة في ظل العجز المؤسسي والهيكلي للحكومة هي محاولة مصيرها الفشل دائما.

الأفكار التي سأطرحها تهدف إلي إعادة هيكلة الحكومة. ليس الهدف هنا هو إصلاح ولكن إعادة هيكلة تغير من شكل الحكومة وطريقة عملها بشكل يضع فاصل واضح بين عهود سابقة والوضع الحالي وبين المستقبل. إعادة هيكلة تهدف إلي نقل الحكومة إلي وضع يمكنها من حل مشاكل الغد وليس فقط أمس واليوم. إعادة هيكلة تكون بمثابة صدمة للنظام البيروقراطي الذي يمثل عائقا أمام أي محاولة لإصلاح أو حل أي مشكلة سواء بسوء نية نتيجة لشبكات مصالح قائمة أو حتي بحسن نية بسبب كسل أو سوء تدريب أو عدم كفاءة. إعادة هيكلة لا تكون علي طريقة إعادة توزيع عدد من الإدارات علي وزرات جديدة أو دمج وزارات قديمة مع الحفاظ علي الإدارات نفسها وطريقة عملها. إعادة هيكلة لا تكون علي طريقة عمل صيانة لبعض المباني وتوزيع عدد من أجهزة الكومبيوتر وتعيين دفعة من الخريجين الجدد ولكن علي طريقة تغيير نظم الإدارة وقيمها. إعادة هيكلة علي طريقة “إنسف حمامك القديم”.

أنا لست متخصصا ولكني في نفس الوقت لست مسئولا. إن لم تكن هذه الأفكار تستحق التنفيذ فلا ضرر في ذلك. هذه التدوينات تأتي في إطار أن أكون إيجابيا لأن اليأس وإنتظار جيل من العواجيز أن يطرح أي حلول عملية أو حتي منطقية كان مصيره الفشل. إذا أطلعت علي برنامج البرادعي “مصر المستقبل” تجد أنه برنامج متواضع يبدو أنه إعادة تدوير للأفكار المطروحة بالفعل التي هي أصلا إعادة تدوير لملفات تم تداولها منذ التسعينات وتم دفنها في الأدراج من قبل حكومات مبارك المتوالية. هذا البرنامج (وربما يعتبر أفضل برامج الأحزاب) قائم علي إفتراضات أساسية منها أن إزاحة الفساد كفيلة بحل جزء كبير من المشكلات وأن مجرد إعادة توزيع الموازنة علي إهتمامات الدولة ستكون قادرة علي حل مشكلات التعليم والصحة والبنية الأساسية. هذا البرنامج مرتكز علي التحسين التدريجي للدولة القائمة وفي ذلك يتجاهل حقيقة أن لا الدولة قائمة ولا التحسين التدريجي تحسين. هذا البرنامج يتعامل مع الدولة علي أننا خرجنا من فترة رئاسة فاشلة وأن الحل هو إعادة توجيه الدفة إلي الإتجاه الصحيح في حين أن المشكلة هي النظام نفسه أصبح خارج الزمن. هذا البرنامج يعمل علي أن يجهز الدولة المصرية لدخول القرن الحادي والعشرين الذي مر منه بالفعل أكثر من إثني عشر عاما. هذا البرنامج يتجاهل حقيقة أن في مصر ثورة وأن الحفاظ علي هذه الثورة يكون بنقلها إلي كل المجالات.

لا أريد أن أكون متحامل علي برنامج يقال أنه مازال قيد النقاش المجتمعي إلا أن البداية مخيبة للأمال.

في التدوينة القادمة بإذن الله نبدأ في الحديث عن أفكار إعادة هيكلة الحكومة


إنشر
 %}